أسرار مناقشات علماء الأزهر لكتاب حياة محمد

«د. محمد الشحات الجندى» عضو المجمع بعد أن قام بفحص الكتاب المطبوع باللغة الإنجليزية، وانتهى فيه إلى أنه لا يتضمن إنكارا لما هو معلوم من الدين بالضرورة، وليس فيه ما يسىء إلى رسول الله - ص. وانقسمت آراء علماء المجمع أثناء المناقشات فى الجلسة السابقة ما بين مؤيد ومعارض ومبدٍ للاقتراحات، وسبب هذا الاختلاف أمران، أولهما وجود تقريرين متناقضين، الأول صادر من باحث بإدارة البحوث والترجمة بالمجمع، وهى الإدارة المسئولة عن الكتب التى تأتى إلى المجمع من مختلف الجهات سواء كانت رسمية أو غير رسمية، إذ انتهى تقرير هذا الباحث إلى أن الكتاب يحمل إساءة إلى النبى - ص - وأنه يحمل فى طياته مغالطات وافتراءات وكذبا وتشكيكا ينسب إلى النبى - ص - وأعطى أمثلة لذلك حيث قال أن المؤلف تعرض لحادث الإسراء والمعراج وقال أنه حادث جامح حتى إن المسلمين أنفسهم اختلفوا فيه هل هو بالروح أم بالجسد أو رؤيا منام. كما أكد الباحث فى تقريره على أن الكتاب تناول زوجات النبى ووصفهن بالمحظيات أو الخليلات، بل ذهب لأبعد من ذلك إذ قال أن النبى - ص خالف النص القرآنى بالزواج بأكثر من العدد المنصوص عليه، كما أن المؤلف عندما يتحدث عن الله سبحانه وتعالى فى كتابه يتحدث عنه بلغة الجمع وأن المؤلف القس تناول موضوع تحويل القبلة وقال أن الرسول - ص - كان يهادن اليهود فلما أبوا الدخول فى الإسلام تحول عن قبلتهم. واعتبر الباحث أن كل هذا مغالطات من قبيل التشكيك فى الدين، مما يثير البلبلة والفتنة والاضطراب، وأن ما قيل فيه مساس بالعقيدة وانتهى فى تقريره بالمطالبة بمصادرة الكتاب وعدم التصريح بتداوله. أما التقرير الثانى فقدمه «د. محمد الشحات» الذى أحال إليه المجمع الكتاب لدراسته ولكتابة تقرير آخر بشأنه فمن المعروف أنه إذا جاء تقرير باحث إدارة البحوث والترجمة بمنع النشر يعاد عرض الكتاب مرة أخرى على مجلس مجمع البحوث الذى يحيله بدوره إلى أحد الأعضاء لفحصه والتأكد من تقرير الباحث على اعتبار أن عضو المجمع أكثر خبرة وعلما ودراية. وجاء تقرير «د. محمد الشحات» مخالفا لتقرير الباحث، حيث أكد على أن الكتاب لا يتضمن إنكارا لما هو معلوم من الإسلام بالضرورة، وأن ما ورد بكتاب «حياة محمد» للقس «جورج بوش» هو عمل توثيقى نقدى والمغالطات التى أوردها المؤلف والمتعلقة بزواج الرسول - ص - بأكثر من زوجة ومخالفته - على حد زعمه - لما جاء بالقرآن وما ينبغى أن يلزم به كنبى للدين الإسلامى، وكذلك حديثه عن رحلة الإسراء وما أطلق عليه لقب «المحظيات أو الخليلات» وأيضا حرمان المرأة من بعض الحقوق فى الدين والدنيا وفى حديثه عن تغيير قبلة الصلاة من بيت المقدس إلى الكعبة وتحليله الخاص بتبرير هزيمة المسلمين فى غزوة أحد ورحلة الإسراء والمعراج، ما هى إلا اشتطاط من المؤلف ليس بمستغرب من رجل دين مسيحى طبقا لظروف الزمان والمكان والبيئة الكنسية التى نشأ فيها وطبيعة العقلية الغربية تجاه الدين الإسلامى خاصة من رجل دينى غربى، وانتهى تقرير «د. محمد الشحات» إلى التوصية بتداول الكتاب والتصريح بنشره. الأمر الثانى والخاص بالأسلوب النقدى الذى تناول به المؤلف شخصية الرسول - ص- وما إذا كان المؤلف قد أساء إلى رسول الله - ص - وإلى الدين والعقيدة أو أن الكتاب لا يتضمن إنكارا لما هو معلوم من الدين بالضرورة، فهذه الحقيقة تائهة ما بين النسخة الأصلية الإنجليزية للكتاب «1796- 1859» والتى أعيد طبعها عدة مرات ونسخة أخرى مترجمة باللغة العربية كان «د. عبدالرحمن عبدالله الشيخ» قد قام بترجمتها فى أبريل سنة 2004 بالسعودية ولم يكتف المترجم فيها بوضع الترجمة العربية إلى جوار النص الإنجليزى فى ترجمته فقط، بل ضمنه تعليقات للمترجم وآراء وبيانا لأوجه المغالطات والقصور فى النص الأصلى. بعض أعضاء المجمع أشاروا إلى أن هذه النسخة المترجمة وما تحتويه من إساءة للنبى - ص - لكن «د. محمد الشحات» أكد أنه ملتزم بالنسخة الإنجليزية التى تسلمها من المجمع للفحص وإبداء الرأى، كما أكد أنه لم يقرأ النسخة المترجمة ولم يرها، وإنما التقرير الذى كتبه جاء بناء على قراءته للنسخة الإنجليزية والتى لا يوجد بها ما يسىء إلى الرسول - ص - أو الدين الإسلامى، ولقد شرح «د. محمد الشحات» ما جاء فى تقريره الذى أوصى فيه بإباحة تداول الكتاب موضحا أن هذا الكتاب - كما هو واضح من عنوانه من أوله إلى آخره - يتعرض لحياة صاحب الرسالة الرسول محمد - ص - ويتتبع الغزوات التى حدثت فى عهد الرسول ويقف عند نقاط محددة. النقطة الأولى: وهى هزيمة المسلمين فى غزوة «أحد» حيث يقول إن الرسول -ص - تصرف تصرفا سياسيا وحاول أن يتغلب على هذه الهزيمة بطرق سياسية، أما النقطة الثانية فهى زوجات الرسول - ص - حيث قال إن القرآن الكريم قد قصر التعدد على أربع زوجات فقط، بينما تزوج الرسول - ص- بتسع أو إحدى عشرة زوجة كما بينت كتب السيرة، والنقطة الثالثة وهى المحظيات أو الخليلات ووضعهن فى حياة النبى - ص وانتهى إلى أن الرسول شخصية فذة وأنه صاحب رسالة وحامل للدين الإسلامى، الدين الذى يقوم على التوحيد وعقيدة لا إله إلا الله. النقطة الرابعة: وهى رحلة الإسراء والمعراج، حيث قال عنها أنها رحلة ليلية مرت بخوارق كثيرة، وقد تناولها القرآن الكريم مصدقا لحديث النبى ص - عنها وعلى ضوء هذا الكتاب الذى اطلعت عليه بفضول بالغ من منطلق أن مؤلفه هو «جورج بوش» الذى أحدث اسمه لبسا لدى القراء، وقد اتضح أنه قس وجد «جورج بوش» الأب وأن له وجهة نظر معينة وينتصر للدين المسيحى، والرجل قرر بصراحة ووضوح أن هناك خلافا حقيقيا بين الإسلام والمسيحية، من حيث إن الإسلام يقوم على عقيدة لا إله إلا الله وأن المسيحية تقوم على عقيدة الثالوث، وهذا الكلام ليس مستغربا بأى حال على الإطلاق من رجل دين مسيحى، لكنه فى النهاية لم ينكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة. وهذه هى النقطة المحورية التى أقرها المجمع الموقر وجعلها أساسا للتصريح بالتداول أو منعه، ولقد قرأت الكتاب قراءة تفصيلية واستعنت بالقاموس فى ترجمة بعض كلماته، فلم أجد فيه ما يخدش العقيدة أو ينكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، كما لم يمس شخص الرسول - بكلام خارج، بل إنه وصفه فى أكثر من موضع بأنه شخصية فذة ومنفردة، وأن الدين الإسلامى جاء بشىء منفرد فماذا نريد من قسيس أكثر من هذا، لذلك انتهيت إلى التصريح بتداول الكتاب. أما «د. محمود حمدى زقزوق» وزير الأوقاف فقد أكد على أن ما ينظر فيه المجمع الآن ليس هو الكتاب المترجم، لكنه النص الإنجليزى، وهو الذى سيصدر الرأى فيه لأن الكتاب المترجم لم يصل إلى المجمع على الإطلاق، وبالتالى فحكم المجمع سيكون متعلقا بما يعرض عليه فقط، وهناك بعض المؤلفين يتحدثون عن المسيحية من منظور إسلامى، كذلك هناك مؤلفون يتحدثون عن الإسلام من منظور مسيحى، ولى فى هذا الصدد تجربة أعرضها فقد ألف أحد الأساتذة وكان مشرفا على دراستى بألمانيا كتابا باللغة الألمانية عن الإسلام وانتهى فيه إلى إنصاف فرع الإسماعيلية، ولأول مرة تنصف السيدة هاجر وفرع إسماعيل كله، ومؤلف الكتاب رغم إنصافه للإسلام إلا أنه أرسل إلىَّ الكتاب طالبا منى النظر فى الترجمة قبل الطبع وإبداء ملاحظاتى حول العبارات التى يمكن أن تجرح مشاعر المسلمين، وكان ذلك من خلال اتصال هاتفى بيننا وقبل أن أنطق بكلمة بادر بقوله مثل عبارة: «محمد مؤلف القرآن»، فهو يرجو منى تصحيحها لعدم جرح شعور المسلمين، فالغربيون لهم وجهة نظر ولابد أن نفهم ثقافتهم وأفكارهم، ولذلك عندما يقول المؤلف محمد مؤسس الدين الإسلامى، فهذا أمر خطير، وكذلك إذا قيل أن عيسى مؤسس الديانة المسيحية، وموسى مؤسس الديانة اليهودية، ومكمن الخطورة فى صدور هذه الأقوال من شخص مسلم أما إذا صدرت من أجنبى فالوضع مختلف.. أيد هذا الكلام «د. نصر فريد واصل» المفتى الأسبق الذى قال: إن علينا أن ننظر إلى المؤلف باعتباره غير مسلم، أما لو صدر هذا الكلام من مسلم لطالبنا بمنع الكتاب، ومع ذلك فإن المؤلف لم ينكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وأن كلمة «مؤسس» لا تعنى أنه خلق هذا الدين، فأعتقد أن الفاحص موقفه صحيح وسليم.. أيضا أكد «د. محمد الفيومى» على أن العقل الغربى تربى على ثقافة تختلف عن ثقافتنا وجميع الكتب الغربية بها مصطلحات تنقصها الحنكة والتجربة، ولا أطالب هذا القسيس أن يكون أزهريا فيتحدث بعبارات منضبطة ومصطلحات دقيقة، ولى فى هذا الخصوص تجارب مع المستشرق الفرنسى «جاك بيرك» الذى كان يقول لى: إذا كنت تعرف تعبيرا أدق فقله لى كى أعلمه، أما عن الكتاب فى محتواه فليس فيه إنكار لما عُلِمَ من الدين بالضرورة، وإنما استعرض المؤلف بحسب ثقافته حياة الرسول وتعرض لبعض الأمور مثل المحظيات ورحلة الإسراء والمعراج، وهل وقعت المعجزة بالروح والجسد أم بالروح فقط، وربما يكون قد اختار تفسيرا معينا يتفق مع ثقافته وصاغه أيضا بحسب هذه الثقافة، وفيما عدا ذلك فالكتاب لم ينكر معلوما من الدين بالضرورة. ولقد أرجأت جلسة المجمع السابقة القرار للجلسة التى تليها والتى تم انعقادها أول أمس - الخميس 30/6/2005 - حيث أكد غالبية الأعضاء على أن نسبة 80% من محتويات الكتاب دفاع عن الإسلام وأن نسبة 20% فقط تحتوى على تفسير مادى للوقائع، وهذا شىء منطقى من شخص لا يؤمن بالغيب ولا بالمعجزات، ويفسر أحداث السيرة تفسيرا تاريخيا ماديا، واتفق الأعضاء على أنه من الطبيعى أن منهجه سيختلف عن منهج من يفسره من المسلمين ويؤدى إلى اختلاف فى النتائج بالنسبة لهذه الأمور، ولكن هذا لا يعنى ترك هذه الأمور بدون رد، فيجب أن تشكل لجنة لمناقشتها وبيان وجهة النظر الإسلامية التى تختلف فيها وجهات النظر وهى لا تتعدى 20% من كم المعلومات الإسلامية الواردة فى الكتاب وهى معلومات صحيحة تخدم الدعوة الإسلامية فى مجتمع غربى تمثل هذه المعلومات قيمة إسلامية بالنسبة له. وبناء على ذلك قرر مجمع البحوث فى جلسته المنعقدة يوم الخميس الموافق 30/6/2005 بالآتى: يوصى المجمع بتداول كتاب «حياة محمد - مؤسس الدين الإسلامى والإمبراطورية الإسلامية» باللغة الإنجليزية طبعة 2002 للمؤلف القس «جورج بوش» والتصريح بنشره حيث لا يتضمن إنكارا لما هو معلوم من الإسلام بالضرورة لإيراده العديد من الحقائق الدينية والاجتماعية للدين الإسلامى وشخصية الرسول الذى وصف بالشخصية الفذة مع الرد على الملاحظات السلبية التى وردت بالكتاب باللغة الإنجليزية. بهذا يكون مجمع البحوث الإسلامية قد أسدل الستار حول اللغط الذى حدث حول هذا الموضوع من خلال وسائل الإعلام.