مقاربة وقراءة لإستراتيجيتي الدفاع والتحرير للبنان

سألج في مقالتي مباشرة, من حيث انتهى اللبنانيون, بعد اتفاق الدوحة إلى التوافق على تعيين الميشيل سليمان رئيسا للجمهورية اللبنانية, بعد فراغ لقصر بعبدا دام قرابة الستة أشهر, بعد انتهاء ولاية الرئيس/ ايميل لحود, وبهذا يكون لبنان قد تجاوز أزمة سياسية دامية, كادت أن تعيده إلى آتون الحرب الأهلية البائدة, وبهذا الاتفاق تم ترسيخ جذور اتفاق الطائف من حيث تقسيم المسئوليات السياسية, وفقا للتوليفة الطائفية الفريدة لمواطنيه,مسيحيين وسنة وشيعة ودروز وجميعهم عرب لبنانيون, ولكن لابد من الإشارة إلى المستجدات التي تعتبر كتفاصيل بعيدة عن روح الطائف, وأولها التوافق المهلهل دستوريا فيما يخص انتخاب الرئيس/ ميشيل سليمان أشبه بالتزكية, مع استيعاب تحفظ البعض على تجاوز النص الدستوري, وادعاء البعض الآخر أن هذا التوافق لايخرج عن نطاق روح الدستور ولن أخوض في هذه الجدلية في هذا السياق, وجديد التفاصيل بالتوافق كذلك سواء برضا أو على مضض هو مايسملى"بالثلث المانع" والذي كان مطلبا للمعارضة اللبنانية التي تحالفت في مواجهة حكومة/ السنيورة والتي تمثل الأغلبية بما لها من أحزاب متحالفة"الموالاة" , حيث استجدت التقسيمة التوافقية"الثلث+1" للمعارضة " 16 للموالاة" و"3 للرئيس" وهذه هي التوليفة الحكومية أو عنوانها, يبقى التوافق على توزيع الحقائب وفق هذه المستجدات, وهذا بحد ذاته تحدي جديد, ما من شك بان اللبنانيون سيتجاوزونه طالما تجاوزوا الأهم والأصعب, وبهذا السياق يعتبر أن صفحة إرهاصات الصدام قد طويت أو على اقل تعديل, تم نزع فتيل تفجيرها.

تسلم الرئيس/ ميشيل سليمان مقاليد الحكم, وأمامه العديد من التحديات المعقدة, ومن هنا شخصت أنظار العالم إلى البرلمان اللبناني, أثناء عملية التنصيب للرئيس/ ميشيل سليمان, ومن ثم اخذ يطرح برنامجه السياسي, في خطاب سلطت الأضواء اللبنانية قبل العربية والدولية على كل جزيئاته, فكان خطاب"القسم" وكان خطابا جامعا مانعا, ليضع النقاط على الحروف السياسية والسيادية الشاغرة, وسط إعجاب وحذر أطياف التوليفة السياسية اللبنانية, تطرق إلى كل الهموم بفصاحة وجرأة ووضوح, الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية, لم يترك في خطابه عنوانا من عناوين الهموم اللبنانية إلا وقد تطرق إليه, سواء التي تتعلق بالعلاقات السيادية الندية للدولة اللبنانية مع الخارج عربيا ودوليا, وتركيزا على العلاقة المتداخلة والمميزة بين سوريا ولبنان, أو الهموم والتحديات التي تتعلق بالأجواء اللبنانية الداخلية المشحونة وضرورة تسكينها, أو حتى فيما يتعلق بالتواجد الفلسطيني داخل لبنان, وعرف بوضوح مهام البندقية سواء بندقية المقاومة, أو بندقية الجيش اللبناني, تحت عنوان سيادة الدولة بانتهاج سياسة الحوار والتوافق مع المقاومة, وهذا بيت قصيد مقالتي, التي ستتناول وفق خطابي القسم والتحرير, إستراتيجيتي الدفاع والتحرير.

لا غرابة أن يبدأ الرئيس خطابه فيما يتعلق بهذا السياق, بذكره عبارة" العدو الصهيوني" وهذه بحد ذاتها رسالة متوافقة مع المقاومة, التي سعت وتسعى إلى تحرير الأرض اللبنانية" شبعا وكفر شوبا" وقد طرح الرئيس اللبناني في هذا الاتجاه عدة نقاط لبرنامج تحركه السياسي أو العسكري لاستعادة الأرض اللبنانية, وهنا نتلمس ترجمة اتجاه بوصلة المستقبل حسب برنامج الرئيس الخاص بالصراع اللبناني الصهيوني فينما يتعلق بالجزء الخاص بجنوب لبنان المحتل, فنجده بدأ بالثناء على قوات"اليونفيل" الدولية التي انتشرت في الجنوب اللبناني بناء على القرار"1701" تحت الفصل السابع للأمم المتحدة, وأثنى على قيامهم بواجباتهم على أكمل وجه, ومن ثم تحدث عن خططه لمواجهة أي عدوان محتمل على لبنان, بما يتوافق مع الإستراتيجية العربية للسلام, وجاء ذلك متزامنا مع انخراط "سوريا" عمليا في عملية التسوية السلمية, والمفاوضات غير المباشرة مع الكيان الإسرائيلي, بوساطة تركية ومباركة عربية غربية, من اجل استعادة الجولان المحتل, هنا طرح الرئيس إستراتيجية" دفاعية" كخطوط عريضة دون تفاصيل, وتطرق مباشرة إلى الاعتزاز بالمقاومة وبسالتها والتفاف اللبنانيون حولها لدحر الاحتلال وتحقيق صولة من النصر العسكري للمقاومة, لكنه تطرق كذلك وهو صاحب الأسبقية في إرسال الجيش اللبناني إلى الجنوب, تطرق إلى أن كل التفاصيل ستكون تحت عنوان كبير اسمه سيادة الدولة اللبنانية, قائلا أننا سنستفيد من خبرة وانجازات المقاومة, وفي هذا إشارة واضحة, إلى مرحلة جديدة سيكون فيها مافوق الأرض بلون الجيش والأمن الرسمي اللبناني, دون التطرق إلى مصير سلاح "حزب الله" بالدمج أو الإبقاء عليه دون رمزية سيادية في ظل فرض سيادة الدولة على كامل التراب اللبناني, بل أشار إلى نقطة هامة وهي حرمة توجيه سلاح المقاومة إلى الداخل اللبناني, وجاء ذلك لان الرئيس بالأمس كان جنرالا عسكريا صاحب قرار يقود الجيش, ولم يدفع بالجيش إلى مواجهة مع المعارضة, بل كان حكيما في الوقوف على مسافة متوازية بين المعارضة والموالاة المتقاتلين, محاولا منع أي احتكاكات وقد سجل له هذا الدور, الذي زاد من التشجع للتوافقية عليه.

وقبل أن انتقل إلى الخطاب الموازي" خطاب وإستراتيجية التحرير" لحزب الله, أردت الإشارة إلى أن المعارضة والتحالف السياسي والذي استطاع انتزاع جزء مما يريد "بالثلث المعطل" فان ذلك الثلث المعطل قد يكون متوافقا اليوم وقد يشطر بالغد, خاصة وان لبنان أراد البعض أم اعتبرها تميزا, هو كينونة روحها توليفة طائفية, قبل أن تكون تحالفات سياسية, ففي المعارضة مسيحيين كذلك, واعتقد أن البعض يراهن بعد قراءة لإمكانية الخلاف داخل المعارضة حيث الاستئثار بتوزيع مناصب لذلك الثلث المعطل, بما لايروق للحلفاء, فتسقط نظرية التعطيل إذا ما تبدلت التحالفات, واذكر هذا لأهميته فيما يتعلق بالاستراتيجيات المصيرية السياسية المقبل عليها لبنان الجديد. واعتقد بان إستراتيجية الدفاع ستكون اقرب في مسار تحرير الأرض اللبنانية, إلى الانخراط في تسويات سياسية لا اعتقد أنها بعيدة عن الساحة اللبنانية, مع الكيان الإسرائيلي, من اجل استعادة الأرض اللبناية, التي يقحمنا الطرف الصهيوني ومن خلفه المجتمع الدولي داعما, لقانونية ومرجعية تلك الأراضي, رغم أن الجميع يعلم أن رقبة الأرض لبنانية, إلا أنها في الفقه الصهيوني, المتناغم معه الفقه الدولي, ارض سورية, أي احتلت بالحرب من سوريا, وهي تخضع للتسوية مع سوريا وليس مع لبنان, وتدرج دوليا تحت القرارين" 242 و 338" رغم أن القيادة السورية أقرت بالخطاب الدبلوماسي أنها سورية, إلا أن إجراءات تلك المرجعية والتبعية, تتطلب أكثر بكثير من الإعلان حسب القانون الدولي, أي مطلوب إيداع وثائق من الدولة التي كانت لها سيادة عليها" سوريا" قبل احتلالها من قبل الكيان الصهيوني, وهذه الخطوة لم تتم حتى تاريخنا هذا حسب الادعاء الدولي والصهيوني, لكني أكاد اجزم حسب برنامج الرئيس وربما توافق الحكومة معه إذا ما سقطت عملية التعطيل, أمام المصلحة الوطنية اللبنانية العليا, بان لبنان سيتحول من خطاب وشعار المقاومة إلى خطاب وشعار المفاوضات والتسوية مع الكيان الإسرائيلي, ربما بدعم عربي من الطائف والدوحة ودول أوروبية, كي يتم استعادة تلك الأراضي اللبنانية المحتلة, وسحب البساط من تحت أقدام المقاومة المتعاظمة التسليح, بحيث يكون حدود شرعيتها عند تحرير الأرض اللبنانية.

فأرى خلال خطاب السيد/ حسن نصر الله والذي تحدث باسم المقاومة وليس باسم المعارضة, لان المعارضة ليس موضوعها أو أساس تحالفها خلافيا على مقاومة من عدمه, بل من اجل مكتسبات ومطالب سياسية, فقد تحدث الأمين العام لحزب الله كقائد للمقاومة, بان إستراتيجية المقاومة والتحرير هي اشمل من الإستراتيجية الدفاعية التي ذكرها الرئيس/ العماد سليمان, رغم أن خطاب السيد حسن نصر الله تمايز بالانسجام مع خطاب الرئيس مع التعريج على بعض النقاط الهامشية والتي تتعلق بالمواطنين اللبنانيين" كجيش العميل لحد" واستعادتهم للبنان, إلا انه أثنى على اختيار / سليمان كرئيس للجمهورية, لكنه لوح بضرورة عدم الاصطدام والخلط مابين المقاومة والجيش اللبناني, بما يفيد استحالة الدمج لان الأرض مازالت محتلة, والعدوان الصهيوني مازال يتربص بلبنان وبرأس المقاومة, لكن الطابع العام نتناوله من حيث التوافق لا التنافر, لأنني على يقين بان الرئيس وحتى الحكومة, وان تم النقاش حول سلاح المقاومة, فلن يتم على الأقل في هذه الفترة المساس بت, أو الإصرار على تسليم سلاح المقاومة للجيش اللبناني عنوان السيادة, المهم أن الرئيس أمامه ليس في بيروت وحسب بل في الضاحية والجنوب تحديات, لابد من الحكمة في التعامل معها, وفرض سيادة الدولة يتطلب استحقاقات للمواطنين في شتى أرجاء لبنان على الدولة, تلك الاستحقاقات التي يغطيها حزب الله في معظم الجنوب اللبناني وحتى( بعلبك والهرمة والعكار) المحاذية للشريط الحدودي والتي تسمى لدى الجيش اللبناني, بأنها مناطق محروقة أو محرمة, ولا اعتقد أن أمام الرئيس والحكومة سوى التواق مع حزب الله في ذلك الجنوب الملتهب, والذي ربما يشهد بعكس توقع البعض بالتسخين, بل هدوءا إذا ما تم الإعلان عن خيارات التسوية مع الكيان الصهيوني, خاصة بعد توجه سوريا الجاد صوب العملية السلمية لاستعادة الجولان, واعتقد بأنه بعد تشكيل الحكومة واللعب على مسار حشد توافق يسقط " فيتو" المعارضة التي ستنخرط في العملية السياسية, سيتم بوساطات وليس وساطة واحدة إلى جر لبنان إلى مسار التسوية, وربما يكون الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني, أسرع مما يتصور البعض, بل ربما يكون أسرع مسارات التسوية, وعقد اتفاق يعيد "شبعا وكفر شوبا" إلى ولاية الأمم المتحدة كخطوة انتقالية, تجيزها مرحلية فقه القانون الدولي للبننة تلك الأراضي وتحريرها كذلك من مماطلة القانون والفقه الدولي, وترسيم الحدود مع الجارة سوريا, وبالتالي يصبح الجنوب اللبناني محل مشاريع إنمائية لايكون للمقاومة عليها أي مبررات على خارطة الصراع وفق حدوده الوطنية اللبنانية, وهذا ليس منفصلا عن باقي المسارات الفلسطينية والسورية, لكن حسب تصوري انه ربما سيكون في الانجاز السياسي الأمني مع الكيان الإسرائيلي أسرع المسارات.

وعليه ووفق تسليطي الضوء على جزئية المقاومة وعلاقتها بإستراتيجيتي الدفاع والتحرير, فلا اعتقد أن حزب الله لم يفهم هذه المعادلة القادمة, أي لايوجد إمكانية لحوار توافقي من شانه نزع سلاح حزب الله كمقاومة, إلا بانتفاء أسباب تلك المقاومة, واعتقد حينها سيركز حزب الله وما تبقى من حلفاءه على المسار السياسي والاجتماعي والخدماتي, وسيكون أي دعم له يصب في هذا الاتجاه, من اجل تحقيق مكاسب سياسية تتناسب مع تضحياته القتالية, فيصبح حزب الله محررا بالبندقية, لكن إكمال ذلك التحرير سيكون بالمسارات السياسية, وبالتالي يخطط لتوافق مع إستراتيجية التحرير مع الإستراتيجية الدفاعية, والهم الأكبر, إذا مابرز للملعب السياسي غدا بعد توافق رئاسي وحكومي عسير, إرهاصات مشروع التسوية السياسية مع الكيان الإسرائيلي, فالتحدي في المزج بين التوجهات المختلفة, ولو حتى تمترس كل صاحب إستراتيجية على رؤيته ونهجه الاستراتيجي, والمعترك يكون سياسيا من البعض الذي يراهن على عدم جدية ومصداقية توجه الكيان الإسرائيلي أن حدث, وحصول البعض الآخر على ضمانات بالتحرير بالأدوات السياسية بعد الأدوات العسكرية, وربما أكون هنا من أول من يتطرقوا إلى هذا المسار المتوقع, مما يدفع البعض الذي لايريد أن يصدق أن حدود المقاومة المسموح بها داخل حدود الدولة وأراضيها, ومن المحرمات حسب المشروع الشرق أو سطي الغربي, وحتى المشروع المتوسطي الأوروبي, تجاوز المقاومة لحدودها, لتسمى باسم بلدها وجنسيتها, للتفريق والتفرد الثنائي على المسارات, كنهج مدريد, وأوسلو, وكامب ديفيد, ووادي عربة, والمسار التفاوضي السوري الإسرائيلي الغير مباشر الدائر بجدية الآن.

لذا أرى حاليا أن خطابي القسم والتحرير لديهما ما يجمعهما بالمنطق الوطني أكثر مما يفرقهما كلبنانيين بعيدا عن أي أجندات إقليمية ودولية أخرى, فالفترة القليلة القادمة سيكون تركيزها على التوافق السياسي على الحكومة, وعلى الحقائب الوزارية وخاصة السيادية منها, ومن ثم أدعو الجميع حسب قراءتي لتوقع مسار التسوية مع لبنان, ودعمه اقتصاديا وسياسيا, ومحاولة فريقي الإستراتيجيتين والخطابين, إلى حشد اكبر طاقة من التأييد الجماهيري مسبقا لبرامجهما السياسية والإستراتيجية سواء الدفاعية والتي ستصبح في حال التسوية تحريرية, أو التحريرية والتي ستصبح في مسار التسوية سياسية.

greatpalestine@hotmail.com