مختارات من كتابي الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس(1)

يوميات معتقل

يانيس ريتسوس
(اليونان)

ترجمة بول شاوول

الشاعر اليوناني الكبير يانيس ريتسوس عرف تجارب عديدة في المعتقلات حتى تحت دكتاتورية العسكر. لكن اقسى ما عانى ريتسوس هو ما عانى، بعد الحرب مباشرة. عندما اعتقل على جزيرة ليمنوس (شمالي غربي بحر ايجه)، في تموز 1948، حيث كتب الاجزاء الاولى لـ«يوميات معتقل»، اضافة الى قصيدة طويلة «القِدْر المدخنة». ونقل الى معتقل ماكرونسيوس عام 1949، على الرغم من الاوضاع الرهيبة للاعتقال. كان يستيقظ كل صباح، قبل جميع السجناء، ليكتب قصائده، على دفاتر صغيرة او على علب السجائر. ثم يخبئها في نصوصه وقصائده الرائعة، المتمثلة بيومياته الصادرة بالفرنسية في كتاب، نختار بعض من هذه الكتابات التي تعبر عما عانى، وكابد، وتذكر، وكيف نام، وأكل، وعن وضع السجن، وزملائه السجناء.

وننشر، لاحقاً، وضمن النصوص التي صاغها في سجنه «18 اغنية للوطن الحزين»، في حلقة ثانية.

[ 1 تشرين الثاني 1948

للضباب اجنحة سوداء مثل الغربان.
وليس له اي عيون.
بعَمَاه يبحث عن عيون في جيوبنا.
كما البصارة بالورق تبحث في اكفنا.
لم يعد في وسعنا ان نخبئ اي شيء
هنا، الاشياء تعود وهي خارجة
كحذاء قذر ننزعه في النوم
وكل الاقدام حافية وكذلك الوجوه.
من يوم الى يوم، بتنا نتكلم بصيغة المفرد.
لكل ظل يشكل «تذكر»
لكن ظل يد أُمّ غائبة
يأخذ شكل كل صوت لا يعارضك
تصبح فنجان قهوة، قطعة خبز،
تيرمومتر، وحتى الموس قرب الطاسة في المرأة الصغيرة
مصابيح الغرفة اثنان.
تشعل زجاجها بالجرائد
انت واحدة وانا اخرى، نحن في الخدمة اليوم.
حركاتنا تكاد تكون واحدة.
لا نتبادل النظرات
نحن نستمتع بهذه المشابهة.
ننظر من النافذة السماء الضائعة في الضباب.
لكل الاشياء اذن تعبيره الدائم.

[ 9 تشرين الثاني 1948

حلَّ الخريف فجأة. رائحة مطر
الرياح الجنوبية العاصفة تقتلع العلّيق
وتلصقه بالاسلاك الشائكة، نرتدي ستراتنا.
ندس أيدينا في جيوبنا.
سقطت غيمة في وسط الطريق
اخذت جانباً الاعمدة التلغرافية، وقالت
لها شيئا ما.
لكن، ومهما قالت، نعرف
ان الخبز هو دائما الخبز والعدالة هي دائماً العدالة.
ولا تتم كثيرا اسرار نقاشها.
مرَّ اتوبيس بعد الظهر مُحمّلاً بالطحين.
خلّفَ وراءه رزمةً ممزقة وقشور برتقال
خرج المعتقلون واحداً واحداً وبوّلوا على الخشب
وهم يدفعون الريح بجباههم
ثم وقفوا ونظروا الى الغيوم.
ودائما في مكان ما، روائح الصمغ والزيزان

[11 تشرين الثاني

هبط الليل وليس عندي ما اقول.
عندما لا نعثر على كلماتنا، نعثر على الصمت.
افكر في سلحفاة تلم قوائمها ورأسها.
هناك، بلا شك، كثير من الصمت، لا افكر.
كان عندنا، هذا المساء مغيب شمس كالتي نشهدها
بين زمنين، عندما يكبر الأطفال
وليس لها اجنحة في نومهم، والارانب لا تتناقش،
ولا تعرف من يحبها ومن لا يحبها
وليس لصمت السلحفاة الداخلي اي معنى.
علينا عندها ان ننام. اطفئوا المصابيح.

[ 15 تشرين الثاني

وصلت الجرائد. الصينيون يتقدمون.
خرجنا الى الباحة. قمر ضخم،
قمر أصفر ضخم. ونحن، كيف نصمد
في هذه الحجرة، في هذه الاسلاك الشائكة،
في هذا الوقت!

[ 17 تشرين الثاني

اشعلنا ناراً ببعض الاغصان،
سخنّا ماء، واغتسلنا جميعاً عراة
في الخارج، في الريح التي كانت تهب
شعرنا بالبرد. ضحكنا
ربما لم يكن ذلك بسبب البرد، بعدها،
مرارة بقيت. هرّتي، بلا شك،
خارج المنزل المغلق، تتسلق النوافذ
تخرمش النوافذ. ولا استطيع ان اكتب
اليها كلمة او كلمتين، اشرح فيهما
انها لا تظننا انني نسيتها لا استطيع

21 تشرين الثاني

يوم أحد آخر.. صُداع
كثير من السجائر. النوافذ لا تنفتح
لم يعد عندي سوى اسبوع
من المطر ولحاء أشجار اللوز المحطمة
ضوء شحيح في النافذة. ست قطع صقيع
فتيل المصباح لا اعرف هو الصمت بالمقلوب.
أحصي مربعات الغطاء
استغرقت ساعة لأفهم كيف ان سلة خبز
هي فقط سلة خبز. فكرت في ذلك
ولا اصدق. وعندها، كيف يحدث ان
تسقط ازرار قمصاننا،
وكيف يحدث، ما دامت الليالي تعبر على الدروب،
وفي الفجر كنا نجد على جدار الغرف
ثقوباً تخلفها مسامير النجوم؟

يوميات معتقل(2)

[ 24 تشرين الثاني 1948

يوم حجري، كلمات حجرية
يساريع تتسلق على طول الجدار
بزّاقة تحمل بيتها
تخرج على العتبة
ويمكن ان تبقى هناك، او ترحل،
الاشياء هي كما هي.
هذا لا شيء.
وااللاشيء ليس حنوناً.
انه حجري.
كل شيء ينسى قبل ان يُقال.
والصمت ليس ملجأ.

[ 25 تشرين الثاني

احباؤنا بعيدون
الرسائل، نادرة
الذبابُ يموت من البرد
نراها تسقط أرضاً
ثم نكنسها.

[26 تشرين الثاني

هذا البرد يعقد لنا الأمور
الماء مجمد، الطعام مجمد
السماء البيضاء ملتصقة بزجاج النوافذ
شمس ثلجية طوابع بريدية قديمة
وحدها الاباريق تحفظ
شيئاً من الذكرى ومن المنزل

[29 تشرين الثاني

بطاقات ـ رسائل مراقبة. ثلج.
اتذكر حذاء عسكرياً
مملوءاً بالثلج
أريد أن أعطي الاشياء معنى
ليس فيها
رجل بلحيته
طاولة
لا طاولة
مقبض الباب كان دافئاً
فيما مضى
كَيدٍ
مع هذا، فهذه الليلة كالليلة الأخرى
كان القمر ذاته يُتائس

[30 تشرين الثاني

عندما يذوب الثلج
من الممكن ان نسمع صوتنا
أهذا ممكن؟

[1 كانون الأول

لم يعد عندنا وقت للنظر
مع اننا منذ ايام عدة ، نفكر
في النظر
الى ظل مواشٍ على غيمة
صبية تجرف الزبل
بضع وجهات نظر على الهضاب
لها علاقة بالأسلاك الشائكة
وُجوه الريح في الريح
دعوا الكلمات
احضروا الموتى، على ابواب
بسرعة بسرعة، أسرع.

كلب يمزق الهواء
بخطمه
قذارات الاسبوع
عظام، ثلج، قصائد
على السرير.

أرق. السيجارة. الريح
لا اريد أن اتكلم.
من يُصغي هكذا؟

[3 كانون الأول

الأرغفة والسنوات تعفنت
قل شيئا على شيء من الخفة
تستطيع اليدان أن ترفعه

لا تأتي الاشياء
كما ننتظرها
الغيمة ليست دائما
قلباً طيباً
والمفتاح الأكثر سرية
ضاع ذات يوم.

[4 كانون الأول

إسحبْ حذاءك ايها القمر
مُمدداً على ظهري، لا يأتيني النوم
اتقلب على جنبي، فأتألم.

الباب مفتوح
لا استطيع الرحيل منه.

[ 6 كانون الأول

بُكلاّب كلمة
أمعلقة الشمس؛
انت غير عادل

[7 كانون الأول

على علبة السجائر
كنا ندون ارقاماً بسرعة
لا تطابق شيئاً
جمع ـ طرح ـ جمع ـ طرح
مع هذا، من فرط العد والعد
نتوصل حيناً الى عدم البكاء

[ 8 كانون الأول

يوم هادئ.
ارى الاشياء كما هي.
يداي في جيبي.
من ترى اشكر؟

[ 9 كانون الأول

احفظ غُبارَ شعرك
ياقتك المرفوعة ذات بعد ظهر في الشتاء
قرب الحافلات القديمة.
هناك التقينا بدلا من هنا
قبلّتُ ظلَ القِطار
على الطريق المجهولة التي كنت تسلكينها
دائسة بقدمك قشة يابسة.

[ 13 كانون الأول

الكرة، دائماً بين
ركلتين.
وأنا، أنظر الى نفسي العب
متفرج وحيد
عوقب لأنه لم يحزن.

يعمل الناس على قدر ما يعانون
ويعانون اكثر مما يطيقون
سنحمل حجارة
سنقطع أخشاباً
سننظف الغرف
وأنا على قدر ذلك.

[14 كانون الأول

يوم اثنين مثلج
يوم ثلاثاء في استمرار يوم الاثنين
الذي لا يبدأ ولا يكمل شيئاً.
المجذاف منكسر
جرس العاصفة
مظلّة
ريبة الخبث الابدية.

الوحل من هنا
حتى هناك
لم يعد وحلاً.
نمشي فيه بحرية

[ 19 كانون الأول

الجو بارد قشّرنا بطاطا
غسلنا ايدينا صففنا شعرنا
بقينا واقفين والمشط في اليد
المشط يؤكد دائماً الشكوك
في ان الأمور ليست بهذه السهولة.

[23 كانون الأول

التجاعيد نفسها موجودة دائماً
تحت كل «كلا».
إلا أنها تتكاثر
وتحفّر.

[24 كانون الأول

كل صباح أسراب من البجع البري
تتوجه نحو الجنوب.
نراها، جامدين.
يتعبنا التحديق في الهواء.
ونخفض رؤوسنا بسرعة.

[27 كانون الأول

الجدران أربعة
أعدّها.
أصابعي خمس
أعدّها.
غطاء أبيض ثلثاء أبيض
حصان أبيض
ثلج موحل
لا أعرف الرقم
المستحيل لأقرر.

[29 كانون الأول

عبر الغابة
وفي عمقها أسَدُ نائم
أمشي ببطء وعصفور على كتفي.

[4 كانون الثاني 1949

وفجأة
ذكرى العصافير
غارقة في المجهول.

[5 كانون الثاني

النوافذ الثلاث المضيئة
للمنزل المغلق.
أكان منزلنا فيما مضى؟

[6 كانون الثاني

للقمر
كثير من الغرف بلا مستأجر.
أبسبب ذلك، إذن؟
بسبب ذلك!

[8 كانون الثاني

قال: تركت كل شيء غير مكتمل؛
دعني.
تذكر.
يداي تُصغيان إليّ.
تركت كل شيء غير مكتمل؛
أشفق عليّ.
للحيوانات والكراسي
أربع أرجل
وأنا لي واحدة.

[10 كانون الثاني

عليك أن تُقَيد وحدك يديك.
تقيّدهما.
الليل يقطع الحبال.

[ 13 كانون الثاني

خلفي، النافذة
كأنما ظهري محمل
بسلال من الزهر
من جديد؟
مرة أخرى من جديد؟
لا تفكر.

[ 22 كانون الثاني

أخيراً
تظهر لك المرآة:
اليدان مقطوعتان
بينما لم يعد لديك من يدين لتصفق بهما
انتصارك.

[25 كانون الثاني

استندنا إلى جدارِ
الغرفةِ لحظةً
اتقاء للريح.
كان رجل عجوز ينظر إلى غيمة.
رأيته يبتسم في ضوء
الغيمة هادئاً
وهكذا بعيداً من الرغبة والألم
حسدته
الشيوخ على توافق مع الغيوم.
وها نحن نتأخر عن الشيخوخة.

(معسكر المعتقلين السياسيين في ليمنوس، 1948 1949)

يوميات سجين (..) (3)

[27 كانون الثاني

قلت
مركب رُسِمَ
بالطبشورة
على باب السجن الداخلي.
هل تخدع الموت؟
أنت لا تخدعه.

[3 شباط

طوال الليل
يقضم الموتى قطعاً مجلدة من القمر.
لم نعد نعرف ماذا نفعل
لكي لا نسمع.
والفئران تأكل خبزنا.
الخوف أكبر من الغضب.

[7 شباط

ظلالٌ محملة بالحجارة
الأسلاك الشائكة
نسيت لفظَ اسمك
الصحيح.
هرّ أسوَد يركض
القمر معلق بذيله.
غريب.
مثل هذا الصمت الكبير
ولا أحد يستيقظ.

15 شباط

أين تنتهي هذه الأسلاك الشائكة؟
البزاق يزحف على ملابس المقتولين.
مع هذا نحن لم نأت إلى هذا العالم
لنموت فقط.
بما أن في طلوع النهار
تفوح قشرة الحامض.

19 شباط

شمس حقيقية
لا يشعر المرضى بشهية.
وكلهم مرضى.
نرمي كثيراً من الخبز في البحر.
على الأقل تأكله طيور النورس.
فجأة تنقطع النقاشات.
نبقى خارج أصواتنا.
نصغي، لا نصغي إلى الأمواج.
تحت كل كلمة
ميت.

[21 شباط

هؤلاء الرجال فهموا أموراً كثيرة
يتكلمون قليلاً، لا يتكلمون أبداً.
يحفظون مفاتيح عديدة في جيوبهم.
ليس عندهم أي باب ليفتحوه.
مساء الأحد يجلسون
على درجات الحجارة
ولا ينظرون إلى النجوم
لا يصغون إلى البحر
لا ينامون بصعوبة.
إذا كان سيحدث شيء جيد
فسيأتي منهم.

[23 شباط

أبيض، القمر
يكركر
كبطن جائع.
كان «مانوليس» يقول:
كل شيء سيجري على ما يرام.
هذا ما كان يقول قلب «مانوليس»
مانوليس
في المياه العميقة
مع الطحالب العمياء.

[ 24 شباط

المصباح يرصد يدين مكسورتين
والرِّجل المقطوعة التي لا تعرف إذا كانت رجلك.
عندها اجتمعنا أسفل جدار كبير
متجاوزاً كلّ من ناحيته
تلك الرِّجل المقطوعة التي كانت رِجلنا.

[ 3 آذار

متاع المعتقلين على الأرض.
عود الثقاب الذي تشعل يُحدث ضجة كبيرة
وتخرج من السيجارة شعلة ضخمة
حذارِ

[ 24 نيسان

ظل الورقة عكس الشمس.
إنزع حذاءك. استرح. أو تذكّر.
تفوح من أيدي الحطابين رائحة الصمغ.
فتيات صغيرات خلف السلال
تفصل أزهار الموت عن الأزهار الحمراء.
خطؤك أنك لا تريد أن تموت
لكن ربما الموتى جائعون أيضاً.

[25 نيسان

الغربان هذا العام قِطَع قرميد
على سطح الصيف.
يتلمس الخوف طريقه كيد الأعمى
على مزلاج الباب.
أنت تجلس لأنك مُتعب.
أنت جيد لأنك خفت كثيراً
تنسى بسهولة لأنك لا تريد أن تتذكر.
أنت لا تنسى.

[4 أيار

أحدهم يُدخّن قرب المحرس.
نجمة المساء تنظر عبر الجبل
كأنما أخطأت في الباب.
أعمدة الكهرباء تُظلم
تتصلب بقوة
خوفاً من أن تلتوي.

[5 أيار

أحدهم تكلم. الآخر لم يُجبْ.
اهترأت الكلمات تحت عيونهم
كأحذية مثقوبة تحت السرير.
يضيء المصباح في المستشفى
كما تنغلق نافذة،
أقلت: ربحنا؟
نصر أعزل، مرتاب، صار منسياً أصلاً.
مركب يذهب وآخر يأتي
إنسان يذهب وآخر يأتي.
أين ترى سيتوقف الموت؟
الرماد يغطي النار
والعَلَم المقتول.
من انهزم من انهزم
تحت العلم أو بلا علم
ميتاً.
لن نعرف أبداً إذا كان قد ندم.

[10 أيار

أحياناً ندمدم أمام الخبز
أحياناً نختبئ خلف دخان سيجارة.
أحياناً ننتظر كلنا معاً
أحياناً نشعر بالخوف فرادى.
مضينا بعيداً.
في الساعة الفلانية، من سيمر؟

[17 أيار

زورق العيادة الذي ينعكس في الماء
أبيض مع خط مشمشي على طوله
جميل
هكذا في إناء الصمت الصباحي
مثل حزن قديم في قصيدة جديدة.

31 أيار

أزهار حديقتك كبرت بسرعة
بنفسجات كبيرة صفراء أو بيضاء
على قامتك
نظفنا النوافذ الزجاجية
والثريا
يفوح الصابون في غرفتك
دغدغت ملابسك وكتبك.
آه يا كاني
نحن هنا
في زاوية منديل
عقدنا قَسَمَ العالم.

(معتقل ماكرو نسيوس 1950)

******

أغنية صغيرة من أجل الوطن الحزين

ترجمة: بول شاوول

وثماني عشرة أغنية للوطن الحزين كتبها أيضاً أثناء اعتقاله. فهو بعدما اعتقل عامي 1948 و1952، ها هو يعود الى السجن عامي 1967 و1972 في جزيرتي ليروس وساموس.

هذه النصوص من نتاج السجن والمنفى. وقد كتبت في معظمها في معسكر بارتيني، ولاروس. وأثناء وجود ريتسوس في المستشفى بعد تعرضه لوعكة صحية، نقل إليه سجين آخر طلباً من الموسيقي اليوناني الكبير تيودور اكيس، يتمنى فيه على ريتسوس أن يكتب له نصوصاً ليلحنها. ولبّى ريتسوس طلب صديقه. واللافت أن شاعرنا كتب هذه الأغاني (مقطوعات قصيرة) في يوم وحد، وبنفس واحد.

وقد ترجمنا كل هذه الأغاني الثماني عشرة.

[ المعمودية الجديدة

في الألم والنشيج نُعمّد كلمات فقيرة
تأتيها أجنحة، فتطير عصافير وتغني.
وهذه، كلمة السر كلمة الحرية
وبدلاً من الأجنحة، تخرج نصالاً وتخرق الهواء

[ حديث مع زهرة

بخور مريم، بخور مريم، في الصخرة المشققة،
أين استطعت ايجاد ألوان وازهرت، عنقاً وتحركت؟
في الصخرة، قطرة قطرة، قطفت الدم
وحكت به وشاحاً وأنا أحصد حالياً الشمس.

[ انتظار

وهكذا كبرت الليالي في الانتظار
حيث تجذر الغناء ونبت كشجرة
وهؤلاء، مقيدون، وآخرون بعيدون في المنفى
يصدرون نفساً مُرًّا آه! وتطير ورقة حَوْر.

[ شعب

ما من سيف ولا رصاص في معركة الشعب الصغير
من أجل الخبز لكل الناس، الضوء والغناء
تحت لسانه يمسك الشكوى والهتاف،
وإذا تظاهر بأنه يغنيها، تذوب الحجارة.

[ قداس الموتى

في زاوية، الجَّد واقف، وفي أخرى عشرة أبناء،
على الطاولة، تسع شموع غارقة في الرغيف.
تنتف النساء شعورهن، والأطفال يصمتون،
في الكوة، تسهر الحرية وتتنهد.

[ فجر

فجر ربيع صغير مليء بالشمس والنعمة،
أين هي العيون لتراك، وترحب بك؟
جمرتان في المبخرة، حبتان من البخور
وصليب من الرماد على عتبة الوطن.

[ هذا ما عاد يكفي

بتواضع وبقليل من الكلمات ينظر في الأرض
ظل عصفور صغير ويقيس ارتفاعه.
وما القول؟ وماذا ينفع؟ اللعنة ما عادت تكفي.
بكل أسف، بندقيته القديمة، معلقة في شجرة الإجاص البرية.

[ نهار أخضر

نهار أخصر مشع، منحدر جميل،
على قرع الأجراس والنعاج، بين شقائق النعمان والآس.
تحوك الفتاة مهرها، والصبي سلته
والتيوس على الشاطئ ترعى الملح الأبيض.

[ ليتورجيا

تحت أشجار الحور، عصافير وبلابل معاً
بدأت ليتورجيتها مع شهر أيار الجديد.
تلتهب الأوراق كالشموع على مساحة الوطن
ومن أعلى السماء، نسرٌ يقرأ الانجيل.

[ الماء

تحت الصخرة، قليل من الماء مبارك من الصمت،
وعبر رصد العصفور.. ظل الغار الورود.
قُطّاع الطرق يشربون منها سراً، يغسلون أعناقهم
كعصافير الدوري ويحمدون أمهم المسكينة، اليونان.

[ بخور مريم

عصفور وردي صغير مربوط بخيط
بجناحيه المتموجين يطير نحو الشمس.
إذا راقبته مرة واحدة، يمنحك بسمته.
وإذا راقبته مرتين، تبدأ بالغناء.

[ الفتيات النحيلات

فتيات نحيلات يجمعن الملح على الشاطئ
من شدة انحنائهن، وحزنهن، لا تريان البحر
وشاح، وشاح أبيض، يشير اليهما في الأزرق
وغير منظور منهن، يسود كآبة.

[ الكنيسة البيضاء

الكنيسة البيضاء ملء الشمس على المنحدر
تلتهب في نافذتها القديمة والصغيرة،
جرسها يقرع عالياً، معلقاً بشجرة الدلب
طوال الليل من أجل عيد الشعب القديس.

[ كتابة على شاهدة ضريح

سقط الـ«باليكار» ورأسه مرفوع
التراب الرطب لا يغطيه، الدود لا يلمسه.
الصليب كجناح على ظهره، ينطلق دائماً الى أعلى
ويمتزج بالنسور الكبيرة وبالملائكة المذهبة.

[ هنا الضوء

هنا، على هذا المرمر، الصدأ السيئ لا يُفلح
ولا القيود في قدم اليوناني، في قدم الريح.
هنا الضوء، هنا الشاطئ، حروف ضوء وأثير
تحفر أحرفاً على الصخور وتخرق القيود.

[ بناء

هذا البيت، كيف يُبنى، مَن سيركب الأبواب!
الأذرع الآن نادرة، وثقيلة جداً الحجارة.
أصمت: الأذرع، في العمل تقوى وتنمو
ولا تنسَ: الموتى طوال الليل يساعدوننا.

[ وعد

تصمت/ العصافير، تصمت الأجراس
ويصمت أيضاً اليوناني المجروح، وموتاه.
وحده، بلا عون، يشحذ أظافره
على حجر الصمت، ويعد بالحرية.

[ لا تبكِ ما هو يوناني

ما هو يوناني لا تبكيه عندما يكون له أن ينحني
ويصطاد الوحش بحد الشمس.

(المستقبل)

إضافة تعليق جديد